الذهبي

879

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

لم يكن يقبل من السلطان ، ولا من غيره ، ومَن وُلّي من معارفه وأقاربه لا يكلّمه ، وقد وُلّي أخوه عمر المدينة وكرْمان واليمامة ، فهجره حتّى مات . ما أدركت بالمدينة رجلا أهْيَبَ عند السلطان والعامّة منه ، وكان ابن المبارك يَصِلُه فيقبل منه . قال : وقدِم الكوفة يريد أن يخوّف الرشيد بالله ، فرجفت لقدومه الدّولة ، حتّى لو كان نزل بهم مائة ألف من العدوّ ، ما زاد من هيبته ، فرجع من الكوفة ، ولم يصل إليه . قال يحيى بن أيّوب العابد : حدَّثني بعض أصحابنا قال : كتب مالك بن أنس إلى العُمريّ : إنّك بَدَوْت ، فلو كنتَ عند مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فكتب إليه : إنّي أكره مجاورة مثلك ، إنّ الله لم يرك متغيّر الوجه فيه ساعة قطّ . وقيل : كانت أم العمري أنصارية . وكان زاهدًا ، قوْالا بالحقّ ، متألِّهًا ، متعبدًا ، منعزلا بناحيةٍ غربيّ المدينة . ويروى أن العُمريّ كان يلزم المقبرة كثيرًا ، ومعه كتاب ينظر فيه ، فقال : ليس شيء أوعظ من قبر ، ولا آنَسَ من كتاب . عمر بن شبة ، حدثنا أبو يحيى الزُّهْريّ قال : قال عبد الله بن عبد العزيز عند موته : بنعمة ربيّ أحدث ، لو أن الدُّنيا تحت قدمي ما يمنعني من أخْذها إلا أن أزيل قدمي ، ما أزلْتُها ، إني لم أصبح أملك إلا سبعة دراهم من لحا شجر فَتَلْتُهُ بيدي . قال المسيّب بن واضح : سمعتُ العمري الزاهد بمسجد منى يشير بيده ، ويقول : لله دَرُّ ذوي العقول . . . والحرص في طلب الفضول سُلاب أكسية الأرامل . . . واليتامى ، والكهول والجامعين المكثرين . . . من الجباية ، والغلول وَضَعوا عقولهم من الدنيا . . . بمُدْرَجَةِ السيول وَلَهَوْا بأطراف الفروع . . . وأغفَلُوا علم الأصول وتتبّعوا جمْعَ الحُطام . . . وفارقوا أثر الرسول ولقد رأوا غِيلان رَيْبِ . . . الدهر غُولا بعد غُولِ